أزمات عميقة.. ووصفات مستعجلة

تم نشره الإثنين 09 أيلول / سبتمبر 2019 01:06 صباحاً
أزمات عميقة.. ووصفات مستعجلة
د. صبري الربيحات

أزمة المعرفة والتخلف وغياب الحلول قديمة ومزمنة، استشعرها البعض منذ أواخر القرن التاسع عشر فظهر محمد عبدة وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي بوصفات تراوحت بين البناء الايديولوجي المرتكز إلى الدين وإلى تبني النهج الأوروبي الحداثي واستبعاد الكثير من الاعباء والإرث الذي يعيق النهضة. في مصر كان لأسرة محمد علي وإيجاد صلات إيجابية مع أوروبا وعصر النهضة أثر بالغ على إحداث نهضة مصرية كان من الممكن تطويرها والبناء عليها لو لم تتوالد بعض التيارات الفكرية والعقائدية بوصفات متباينة لتسريع النهضة وتغيير اتجاهاتها تارة باسم القومية وأخرى باسم الدين وثالثة باسم إحياء الحضارة والهوية القطرية.
وكما في مصر شهدت بلاد الشام والجزيرة العربية وشمال افريقيا ظهور أفكار وتنظيمات وتيارات ومشاريع وحركات إصلاح ديني دعا بعضها إلى الإصلاح الديني أو بعث الروح القومية في حين نادى البعض بتبني فكر أممي أو التحرر من كل ما هو ماضوي باعتباره عبئا يعيق حركة التحول والتحديث.
الفضاء العربي اكتظ بالتيارات والتجاذبات التي أدت إلى الانقسام وتنافس المشروعات المتناقضة الداعية إلى اعتماد الدين لتغيير الانظمة أو إصلاح السلوك وبين القومية العربية بأطيافها أو تلك الداعية إلى تحرير الأمة من الاستعمار ووضع طاقة الشعوب في مقاومة الأجنبي دون امتلاك مشروعات ناضجة للنهوض والتقدم.
في القرنين الأخيرين ظهرت الحركات المهدية في السودان والادريسية في شمال افريقيا والوهابية في شرق الجزيرة العربية إلى جانب حركة الاخوان المسلمين في مصر على يد سيد قطب وحسن البنا قبل أن تصبح أحد أهم التيارات المهيمنة على تفكير وحركة المجتمعات العربية. نجاح انتشار هذه الحركات لم يكن بسبب أطروحات من قدموا المبادئ والافكار بمقدار ما كان لاستثمار حالة التدين الفطري السائدة في المجتمعات كأساس لتأطير فكر ومعتقدات وممارسات أتباعها وتشبيه اوضاع المجتمعات الاسلامية الراهنة بحالة المجتمعات الانسانية عند بدء الدعوة للدين وتقديم النهج المتبع من قبلها كوسيلة للخلاص والتحول إلى بناء الدولة الاسلامية العادلة الملتزمة.
اتفاق واختلاف هذه التيارات والحركات مع المجموعات الحاكمة كان العامل الأهم في بقاء او اختفاء هذه الحركات. نشأ في البلدان العربية الاخرى تيارات وأحزاب سياسية منافسة وضع بعضها حدا لتمدد وانتشار ونفوذ هذه الحركات. في سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين ظهرت أحزاب قومية واممية وليبرالية علمانية. إلى جانب مصطفى امين ورفاقه من دعاة التحرير للعقل رأى ساطع الحصري وقسطنطين زريق ولاحقا ميشيل عفلق اهمية بناء النهضة على اسس قومية واستمر الجدل لتظهر مشروعات فكرية تنقد العقل العربي كمشروع البطركية العربية وهيمنة السلطة الأبوية على العقل ومشروع تحليل ونقد العقل العربي والبحث في الحداثة على يد محمد عابد الجابري وغيره من الفلاسفة واهل الفكر مثل فهمي جدعان الذي قدم مشروعا تقييميا لأسس التقدم عند المفكرين العرب في العصر الحديث.
بلا مقدمات يطرح المفكر والاقتصادي الأردني الدكتور جواد العناني فكرة تأسيس المزيد من المدن العلمية المتخصصة لتجاوز محنة التفكير والابداع والتأثير. المستغرب أن يأتي المقترح من أحد اكثر الساسة والمفكرين والأكاديميين الذين عملوا في البيروقراطية وأسهم في تأسيس المؤسسات التي تأسست لتنتج المعرفة وترعى الابداع وكان غير ذي مرة رئيسا وموجها لبعضها فقد كان رئيسا للجمعية العلمية الملكية وعضوا ورئيسا للعديد من اللجان العليا التي خططت وقيمت ومولت هذه المؤسسات ووسعت أعمالها. في الأردن اليوم اكثر من 32 جامعة وجدت للغاية التي أشار لها وفي كل مرة يجري الحديث عن المعرفة والابداع تجري الاشارة لها.
مع التقدير البالغ للاجتهادات والمقترحات التي تقدم لمواجهة التحديات المعرفية التي تواجهنا إلا أن المستغرب تجاهل الاشخاص ممن عملوا داخل هذه المؤسسات وأداروا برامجها لسنوات وعقود لحقيقة وجودها والتفكير في حلول الازمات بعيدا عنها.
في حالات كثيرة يبرع الأكاديمي في تشخيص وتوصيف المشكلات لكن الكثير منا يتعجل في تقديم وصفات الخلاص المستندة إلى تجاهل الموجود والبحث عن ما يحل مكانه. هذه الخاصية الأردنية مسؤولة عن وجود العشرات من الموظفين المجمدين في المؤسسات والعشرات من الهيئات التي جرى تأسيسها استجابة لاقتراح متعجل او لإحباط مسؤول.

الغد - الاحد 8-9-2019